سوريا 2026 : موازنة الـ 10.5 مليارات دولار ورحلة العودة إلى اقتصاد الستين ملياراً
تحت سماء دمشق التي بدت هذا العيد مثقلة بوعود مغايرة، لم تكن تهاني عيد الفطر في قصر الشعب مجرد بروتوكول اجتماعي عابر، بل تحولت إلى لحظة إفصاح عن ملامح "الجمهورية الجديدة" التي تحاول لملمة شتاتها من بين أنقاض السنين. في حديثه الهادئ، الذي شابه نوع من الثقة الحذرة، رسم الرئيس السوري أحمد الشرع خارطة طريق ليست عسكرية هذه المرة، بل رقمية وتنموية، واضعاً السوريين أمام أرقام كانت حتى وقت قريب تبدو ضرباً من الخيال الافتراضي.
موازنة 2026 :
تحدث الشرع عن موازنة عام 2026، واصفاً إياها بـ 10.5 مليارات دولار؛ رقم يحمل في طياته دلالة رمزية تتجاوز قيمته الشرائية، فهو يمثل خمسة أضعاف موازنة عام 2024. هذا القفز فوق الحواجز المالية يعكس رغبة الدولة في استعادة "توازن ما قبل الانهيار"، حيث يطمح الناتج المحلي الإجمالي للوصول إلى عتبة الستين مليار دولار، وهو الرقم الذي كانت تدور حوله رحى الحياة السورية في عام 2010، قبل أن تبتلع الحرب الذاكرة والمقدرات.
الانتقال من مرحلة "إدارة العجز" إلى مرحلة "استثمار الفائض" تجلى في حديث الرئيس عن نمو الناتج المحلي بنسبة لامست الـ 35% خلال عام واحد. ليس الأمر مجرد إحصائيات صماء، بل هو حكاية موارد عادت لتضخ الدماء في جسد الدولة؛ حقول الطاقة، وسلال الغذاء، وشرايين المياه في المناطق التي استعادتها الدولة مؤخراً، تحولت من ثغرات في الأمن القومي إلى ركائز في الميزانية العامة.
الترميم واعادة بناء الثقة اولا :

اقرأ ايضا : الرئيس السوري أحمد الشرع يصدر مرسوم عفو عام وحزمة قرارات اقتصادية أول أيام عيد الفطر
لكن الأرقام الضخمة لا تستقيم دون أن تجد لها مكاناً في الجغرافيا المنهكة. هنا، توقف الشرع عند "ترميم الروح قبل الحجر"، معتبراً أن معالجة ملف المخيمات وتمكين السكان من العودة إلى قراهم هي الأولوية القصوى التي تتقدم على ما سواها. رصدت الحكومة صندوقاً بثلاثة مليارات دولار لإعادة تأهيل البنى التحتية، ليس من باب القروض أو المنح الخارجية المثقلة بالشروط، بل من "عرق الإنفاق الحكومي المستقل". القرى في أرياف إدلب وحلب وشمال حماة واللاذقية، وصولاً إلى دمشق ودرعا ودير الزور، لم تعد مجرد نقاط على خارطة عسكرية، بل أصبحت ورشات عمل كبرى تهدف لمحو آثار حقبة وصفها الشرع بـ "النظام البائد".
المناطق الشرقية، دير الزور والحسكة والرقة، نالت في خطاب الانبعاث نصيباً مستقلاً من الاهتمام. فبعد سنوات من التغييب القسري، تعود هذه المدن لتكون محوراً في خطة الخدمات الأساسية، حيث المدارس والمشافي والطرقات ليست مجرد مرافق خدمية في سوريا ، بل هي أدوات لربط الجسد السوري ببعضه البعض مجدداً.

وعند ملامسة واقع الإنسان اليومي، لم يكن الحديث عن زيادة الأجور مجرد إرضاء مؤقت، بل كان محاولة جراحية لردم الفجوة مع معدلات الفقر. بزيادة عامة بلغت 50%، وزيادات نوعية للاختصاصيين من أطباء ومهندسين وصلت في بعض القطاعات إلى 1200%، تحاول الدولة استعادة كفاءاتها المهاجرة وحماية من بقي. ومع تحسن سعر الصرف، تبدو هذه الزيادات التي بلغت إجمالاً 550%، محاولة لإعادة الاعتبار للعملة الوطنية وللقوة الشرائية للمواطن الذي تحمل عبء الانهيار الأكبر.
لم ينكر الشرع ضخامة التحدي، فإصلاح واقع خدمي دُمر بشكل منهجي يحتاج إلى "زمن"، لكنه زمن يسير بسرعة غير معهودة. سوريا اليوم، في لغة رئيسها، تحاول النأي بنفسها عن صراعات المحاور التي استنزفتها لعقود، مفضلة الانكفاء على الذات في "عزلة إيجابية" هدفها الوحيد هو البناء، والنمو، وترميم ما انكسر في الشخصية السورية والمشهد العمراني. هي معركة هادئة، سلاحها الموازنة، وساحتها المشافي والمدارس، وغايتها العودة إلى الحياة الطبيعية في وطن كان يوماً يسمى "قلب العالم".